الأربعاء، 28 أكتوبر، 2009

الشاعر السوداني ابوصلاح

تعد تجربة ابوصلاح الشعرية من أكثر التجارب الشعرية التي اثرت الساحة الفنية باشعاره الغزيرة وكلماته العذبة التي اختصر بها العذوبة واعتصرها في مفردات وطرز للغناء ثوب يليق بانوثة الكلمة ، ويعتبر ابوصلاح رائد اغنية (الحقيبة) وهو الذي اعطي الحقيبة معني لكونها سيدة الساحة الغنائية واعطي للغناء ديمومة تمنحه الولاء المطلق علي امتداد الاجيال. ويعتبر شعره من اكثر التجارب سهولة في المعني واللغة وقوة في الوصف والبلاغة وهنا يكمن سحر وجمال شعره ، كتب ابوصلاح للحب فكان لشعره صوت تسمعه القلوب وتردده الحواس قبل الالسن يخترق الوجدان بسيل همساته الجارف وعاطفته الجياشة ويعتبر شعره وثيقة تكشف لنا سر شخصيته التي طبعت علي وجدان الفن كل هذه الروعة والاماكن التي تركت علي وجدانه بصمتها الواضحة والتي تفاني في تشكيلها لغة تجري في الذات مجري الدم فكان شعره بمثابة محصول سوداني نرعاه ونحصده جيلا بعد جيل.
ولد صالح عبد السيد الشهير بابوصلاح بحي الموردة العريق بامدرمان عام 1890م وتعلم مبادئ القرآن الكريم بخلوة الفكي مكي حسن حسين وانتقل بعد ذلك الي السكن بحي الهجرة الامدرماني وسط الكثيرين من اقاربه ، التحق بمدرسة الاميركان الابتدائية بالخرطوم بحري ولم يكمل دراسته فيها ، حيث انقطعت صلته بالدراسة المنتظمة وانخرط في العمل المهني ليعمل نجارا بمصلحة الوابورات بالخرطوم بحري وبعدها عمل نجارا بالحملة الميكانيكية ولم يواصل العمل فيها كانه يريد ان يبرهن لنا ان الحياة هي خلاصة اعتصار التجارب وادارة الذات بعيدا عن الاحتكار ودليلا علي ذلك مواصلة حياته العملية في الاعمال الحرّة متنقلا بين البلدان.
كسائر افذاذ وفحول الشعراء في عصره سار ابوصلاح علي نهج الاقدمين بكتابة الدوباي الذي كان سائدا في ذلك العهد فبينت تلك الفترة نضج وتجلي شاعرية ابوصلاح التي تجاوز بها رصفائه في ذلك العهد الرصين فحملت اشعاره بذرة التجديد الحقيقي والاكيد ان سنوات صباه التي قضاها متنقلا بين البقعة والحلفاية كان لها بالغ الاثر حيث الالهام المطلق في ازهي مرابع الجمال يحفه السحر والنقاء.
اخترق ابوصلاح جدار التقليد وحمل لواء التجديد فنال بذلك ثمرتين الأولي ثقة واعجاب الذين سبقوه الي قمم النجاح وتوجه بهذه الثقة تدفعه احاسيسه الي قمة الفن الراقي فنال بالثانية اعجاب الناس واستحق تقديرهم فهشت له الساحة بالترحاب بمفرداته التي لاتضيق بها حدود النفس فكان لشعره أثر السحر في القلوب.
ظل ابوصلاح طوال حياته يثري الساحة الغنائية الصافية بفنه الخلاب المكثف والمشبع بالالق والاثارة حتي اصبح رائد اغنية الحقيبة ومانحها سر الخلود فكانت اغنياته : بدور القلعة ، جوهر صدر المحافل ، قسم بي محيك البدري ، ياليل ابقالي شاهد ، يارشا ياكحيل ، خلي العيش حرام ، كم نظرنا هلال ، والعديد من الاغنيات كانت طاقة ابداعية تنضح مشاعرا وبهجه . وكان لها الاسهام الواضح في الساحة الفنية من بداياتها الي يومنا هذا. توفي ابوصلاح في العام 1962م بعد أن طبع فنه وشخصيته في الوجدان.

الاثنين، 26 أكتوبر، 2009

الشاعر السوداني محمد سعيد العباسي

باعث نهضة الشعر في السودان الحديث

هو محمد سعيد بن محمد شريف نور الدائم بن الشيخ احمد الطيب مؤسس الطريقة السمانية بالسودان واحد أشهر الطرق الصوفية بالسودان ينتمي الي قبيلة الجموعية وهي قبيلة متواجدة بمنطقة امدرمان منذ العام 605 هجرية وهي من القبائل التي ناصرت المهدية واستاذن منها المهدي عندما دخل امدرمان واشتهروا بالفروسية والكرم وهي احدي قبائل المجموعة الجعلية بالسودان. ولد العباسي عام 1880م بقرية عرديب ودنور الدائم بمنطقة النيل الأبيض ثم انتقل به والده في حوادث المهدية الي غرب امدرمان منطقة ام مرحي وحفظ القران يافعا وتلقي قدرا طيبا من علوم اللغة والفقه علي يد والده وكبار علماء الدين امثال الشيخ زين العابدين الشيخ ابي صالح والشيخ عوض الكريم الازهري والشيخ محمد البدوي. التحق في العام 1899 م بالكلية الحربية المصرية التي تمتد جزور نشأتها الآن الي اكثر من القرن ونصف القرن إلا انه لم يكمل الدراسة وعاد منها بعد عامين من انتظامه وتفوقه فيها لانها كانت تعتمد نظام الترقي بالاسبقية الزمنية (الاقدمية) لا بالتفوق الاكاديمي تاركها بعد أن نشات بينه وبين استاذ اللغة العربية فيها الشيخ عثمان زناتي علاقة روحية عظيمة لحفظه القرآن والمامه بعلوم الفقه والنحو فقربه اليه من دون التلاميذ ويعتبره العباسي صاحب فضل عظيم في دفعه الي الحركة الادبية وممارسة الشعر وقرضه وعند عودته اشتغل بدراسة كتب الفقه والأدب علي يد والده الشيخ محمد شريف. ذهب للمرة الثانية الي مصر عام 1906 برفقة والده حيث استزاد من العلم والمعرفه وتمكن من استعادة ذكرياته القديمة وكان مولعا بحبه لمصر وظل طوال حياته يعيش ذكرياته فيها ومع اساتذته بها ويظهر ذلك جليا في ديوانه الذي يحفل بالحديث عنها ورغبته في في اللحاق بمصر فهو يقول لبني قومه :
هل شدتمو ياقــــــوم اسطولا علي البحر مخر
أو طائرات بالســــما ترمـــــي الاعادي بالزبر
أوحبرت اقلامــــــكم لنا مـــــــن الآي الغـــرر
كمثل شوقي إذ شــدا والرافــــــــعي اذ نــــــثر
ان لم تكونوا هم فما هذا التعالي والصـــــــعر

ولما توفي والده محمد شريف العام 1907 كان عمره يقارب الثمانية وعشرون عاما. أشتهر العباسي بولعه للبادية وتجواله فيها وما للبادية من اثر علي صحة الأبدان ونقاء النفوس وذكاء العقول فتعمق في أغوار انسانها من خلال انطلاقته وتجواله فيها ما انعكس علي تكوين شخصيته البدوية وتاثره باساليب البادية في شعر فحول الشعراء العرب فجاء شعره اشبه بشعرهم في تكوينه وبناءه وهو من الذين طوعوا الاسلوب التقليدي العريق بجزالته المعروفه وباقتداره علي اللغة ونزعتة الصوفية التي ضربت في نفسه بسهم الوجد الصوفي فسالت روحه وفاضت بالمعاني الزاخره وتنهدت قريحته بهذا النفس الصوفي المبتهج وإن كان الشعر الصوفي ضعيفا وركيكا في بعض جوانبه إلا ان لمحمد سعيد أسهام واضح في ترقيه بجزالته ورصانته المعروفه كما قال الدكتورعبده بدوي في كتابه الشعر في السودان قال أن محمد سعيد ارتفع بالتراث الصوفي ووضعه_ربما لأول مرة _ في إطار الجزالة العربية وقال أيضا أن الذي لون الجانب الصوفي وارتفع به عن السرد التاريخي هو محمد سعيد. كان العباسي صاحب ثقافة عربية ودينية واسعة ويعد من رواد النهضة الأدبية الشعرية في العصر الحديث وهو بلا شك من اعظم الشعراء فيه ولايقل جزالة عن شوقي واكثر فروسية وحكمة من البارودي واكثر اعتداد بنفسه من المتنبي ويذوب شعرا حتي يكاد يغني مع الشريف الرضي علي حد قول الشريف زين العابدين الهندي. لكن تكمن مشكلة المبدع السوداني في طباعة النتاج الابداعي السوداني علي نطاق الوطن العربي ومشكلة الدورالمؤسسي الاعلامي والثقافي ماحرم الكثيرين من المبدعين من الظهور الداخلي والتمثيل الخارجي.
للعباسي ديوان شعر رصين يجعل من المعني محورا تدور حوله الكلمات لان شعره تاريخا روحانيا مركزه القلب وجوانبه اللغة والجزالة ، مشبعا بالمعاني المسبكة والتصوير البديع لكل نواحي الطبيعة وهذا ماينطبق علي بعض قصائده مثل ( مليط ) ويظهر فيها تاثره الواضح بالشريف الرضي. يحتوي الديوان علي قصائد تمثل الواحدة منها ديوان باكمله من جودة الصنعة وعمق المعني وتعتبر قصائده وديوانه فتحا جديدا علي تاريخ الشعر السوداني واسمه((ديوان العباسي)).
توفي الشاعر محمد سعيد العباسي في الثاني عشر من شهر يناير العام 1963 عن عمر يناهز الثلاثة وثمانون عاما مخلفا وراءه نسيج ساحر من قماشة الفن والأدب طرزها ولبسها ابناءه واحفاده من بعده فكانوا منارات سامقة في العلم والشعر والادب وعلي رأسهم ابنه الشاعر والقاضي الطيب محمد سعيد العباسي الذي ورث عن ابيه شفرة اللسان فكان فصيحا ، رصين الكلمه ، صادق العاطفه وله ديوان يسمي (العباسيات) فكانه يواصل مع ابيه اعتقال الكلمة والرصانة داخل المنظومة الاسمية واضفاء نوع من الاداء الصوتي الموحد لمحركات النفس العميقه وامتزاجه بالمعني والاداء النفسي العذب فكان فنا راقيا جميلا يخضع النفس لنظام موسيقي خاص فتخلد اليه وتجتمع عنده كل الحواس.

مختارات من شعره :

مليط

حيّاكِ «ملّيطُ» صوبُ العارضِ الغادي وجاد واديكِ ذا الجنّاتِ من وادِ
فكم جلوتِ لنا من منظرٍ عَجَبٍ يُشجي الخليَّ ويروي غُلّةَ الصادي
أنسَيْتِني بَرْحَ آلامي وما أخذتْ منا المطايا بإيجافٍ وإيخاد
كثبانُكِ العفرُ ما أبهى مناظرَها أُنسٌ لذي وحشةٍ، رِزقٌ لمرتاد
فباسقُ النخلِ ملءُ الطرفِ يلثم من ذيلِ السحابِ بلا كدٍّ وإجهاد
كأنه ورمالاً حوله ارتفعتْ أعلامُ جيشٍ بناها فوق أطواد
وأعينُ الماءِ تجري من جداولها صوارماً عرضوها غيرَ أعماد
والوُرْقُ تهتف والأظلالُ وارفةٌ والريحٌ تدفع ميّاداً لميّاد
لو استطعتُ لأهديتُ الخلودَ لها لو كان شيءٌ على الدنيا لإخلاد

****

أنتِ «المطيرةُ»(1) في ظلّ وفي شجرٍ فقدتِ أصواتَ رهبانٍ وعُبّاد
أُعيذ حسنَكِ بالرحمن مُبدعِهِ يا قُرّةَ العينِ من عَينٍ وحُسّاد
وضعتُ رحليَ منها بالكرامة في دارِ ابنِ بَجْدتِها «نصرِ بنِ شدّاد»(2)
فاقتادتِ اللبَّ مني قَوْدَ ذي رسنٍ ورقاءَ أهدتْ لنا لحناً بتَرداد
هاتي الحديثَ رعاكِ اللهُ مسعفةً وأَسْعدي فكلانا ذو هوًى بادي
فحرّكتْ لهوى الأوطانِ أفئدةً وأحرقتْ نِضوَ أحشاءٍ وأكباد
هوًى إلى النيل يُصبيني، وساكنُهُ أُجلّه اليومَ عن حصرٍ وتَعداد
وحاجةٌ ما يُعنّيني تطلُّبُها لولا زماني ولولا ضيقُ أصفادي

****

يا سعدُ «سعدُ بني وهبٍ»(3) أرى ثمراً فجُدْ فديتُكَ للعافي بعِنْقاد
وإنّ في بعض ما قد عافَ شاربُكم إعتابَ ذي الفضلِ «يحيى» و«ابنِ عبّاد»(4)
ورقاءُ إنّكِ قد أسْمعتِني حَسَناً هيّا اسمعي فَضْلَ إنشائي وإنشادي
إنا نديمانِ في شَرْع النوى فخُذي يا بنتَ ذي الطوقِ لحناً من بني الضاد
فربّما تجمع الآلامُ إنْ نزلتْ ضدّين في الشكل والأخلاق والعاد
لا تُنكريني فحالي كلُّها كرمٌ ولا يُريبكِ إتْهامي وإنجادي
وأنتَ يا عيدُ ليت اللهَ أبدلني منكَ الغداةَ بعوّاد وأعواد
ما لي وللعيد والدنيا وبهجتِها وقد مضى أمسِ أترابي وأندادي

****

أولئك الغرُّ إخواني ومن ذهبتْ بهم مواسمُ أفراحي وأعيادي
مضَوْا، فهل علموا أني شقيتُ بمن ألبستُه ثوبَ إعزازٍ وإسعاد؟
لم يُجْزِني، لاجزاه اللهُ، صالحةً بِرّاً ببِرٍّ وإرفاداً بإرفاد
لقيتُه أمسِ في طِمْرين مقتحماً دَوّاً بلا مركبٍ فيه ولا زاد
فظِلْتُ أُوسعه بِرّاً وتكرمةً حتى غدا وَهْو ذو وشيٍ وأَبْراد
وحينما قلتُ إني قد ملأتُ يدي إذ غرّني صوتُ إبراقٍ وإرعاد
تحوّل الحالُ عمّا كنتُ أسمع من وعدِ المثوبةِ والزُّلفى لإيعاد
أبحتَ مني حِمىً قد كان ممتنعاً حِمى البهاليلِ: آبائي وأجدادي
صيّرتَه بعد ذاك الأمنِ مَسْبعةً تحمي مَرشّةَ أطيارٍ وآساد
إن ترضَ بالحكم فالقرآنُ ذا حَكَمٌ وها أولو العلمِ والتاريخِ أَشْهادي
هادٍ يضلّ وحيرانٌ يُدلّ وما طولُ البليّةِ إلا حيرةُ الهادي

****

أغرقتَها فانجُ إنْ كنتَ اللبيبَ ولا أراكَ تسلم من بحرٍ وإزباد
واصبرْ تذقْ مُرَّ ما ذاق الذين بغَوْا من قبلُ، واللهُ للباغي بمرصاد
لا تخدعَنَّكَ نُعْمْى قد حبَوْكَ بها ولا الزعانفُ من رهطٍ وأجناد
فلستُ أيأسُ من عدل المليكِ بأنْ يُخني عليهم كما أخنى على «عاد»
لثمتُ كفّاً ولا أدري الذي اشتملتْ أصابعُ الصِّيدِ أم أشراكُ صَيّاد؟!
وليتَ شعريَ هل عَرْفَ السماحةِ ما أشمُّ أم عَرْفَ «دارينا» و«بغداد»؟
مهامهٌ غرّني لمعُ السراب بها ومذهبٌ لم أكن فيه بنَقّاد!

****

أستودع اللهَ ساداتٍ فقدتُهمُ حدا بهم، حيث لا ألقاهُمُ الحادي
تحيّةُ اللهِ يا أيامَ ذي سَلَمٍ أيامَ لم نخشَ بأسَ القاهرِ العادي
أيامَ كنا وكان الشملُ مجتمعاً وحيُّنا حيُّ طُلاّب وقُصّاد
فإن جرى ذكرُ أربابِ السماحةِ أو نادى الكرامُ فإنا بهجةُ النادي
لنا الكؤوسُ ونحن المنتشون بها منّا السقاةُ ومنّا الصادحُ الشادي
واليومَ أبدتْ لنا الدنيا عجائبَها بما نُقاسيه من حربٍ وأحقاد
وما رمى الدهرُ وادينا بداهيةٍ مثل الأليمين: تفريقٍ وإبعاد
لم نجنِ ذنباً، ففيمَ الحيفُ مُقترَفٌ؟ وما لنا اليومَ في سدٍّ وإيصاد
ما نحن «يأجوجُ» بل قومٌ ذوو أَرَبٍ في الصالحات ولسنا قومَ إفساد
بني أبي أنتُمُ زيدٌ على مائةٍ وما عدمتم أخا هديٍ وإرشاد
عزّ النصيرُ وقلَّ المستعانُ بهِ ومَن يَهبّ إذا يُدعى لإنجاد
سِيروا كراماً على اسم اللهِ لا تهنوا فدهرُكم دهرُ إصدارٍ وإيراد
فما الفلاحُ وما سعيُ الشعوبِ لهُ لدى الحقيقةِ إلا سعيُ أفراد
إن يُرسلِ اللهُ من عليائه فَرَجاً نُدرَكْ وإلا فكلٌّ رهنُ مِيعاد

****

عهد جيرون

أرقت من طول هم بات يعرونى

يثير من لاعج الذكرى ويشجونى

منيت نفسى آمالا يماطلنى

بها زمانى من حين الى حين

ألقى بصبرى جسام الحادثات ولى

عزم أصد به ما قد يلاقينى

ولا أتوق لحال لا تلائمها

حالى ، ولا منزل اللذات يلهينى

ولست أرضى من الدنيا وإن عظمت

إلا الذى بجميل الذكر يرضينى

وكيف أقبل أسباب الهوان ولى

آباء صدق من الغر الميامين

النازلين على حكم العلا أبداً

من زينوا الكون منهم أى تزيين

من كل أروع فى أكتاده لبد

كالليث والليث لا يغضى على هون

وقد سلا القلب عن سلمى وجارتها

وربما كنت أدعوه فيعصينى

ما عذر مثلى فى استسلامه لهوى

يا حالة النقص ما بى حاجة بينى

ما أنس لا أنس إذ جاءت تعاتبنى

فتانة اللحظ ذات الحاجب النونى

يا بنت عشرين والأيام مقبلة

ماذا تريدين من موعود خمسين؟

قد كان لى قبل اليوم فيك هوى

أطيعه ، وحديث ذو أفانين

ولا منى فيك والاشجان زائدة

قوم وأحرى بهم ألا يلومونى

أزمان أمرح فى برد الشباب على

مراسح اللهو بين الخرد العين

والعود أخضر وألايام مشرقة

وحالة الأنس تغرى بى وتغرينى

فى ذمة الله محبوب كلفت به

كالريم جيدا وكالخيروز فى اللين

أفديه فاتر ألحاظ وتل له

"أفديه" حين سعى نحوى يفدينى

يقول لى وهو يحكى البرق مبتسما

"يا أنت يا ذا" وعمدا لا يسمينى

أنشأت أُسمعه الشكوى ويسمعنى

أدنيه من كبدى الحرى ويدنينى

أذر فى سمعه شيئا يلذ له

قد زانه فضل إبداعى وتحسينى

فبات طوع مرادى طول ليلته

من خمر دارين أسقيه ويسقينى

يا عهد جيرون كم لى فيك من شجن

باد سقاك الرضا يا عهد جيرون

ولا يزال النسيم الطلق يحمل لى

ريا الجناب ويرويه فيروينى

واليوم مذ جذبت عنى أعنتها

هذى الظباء وولت وجهها دونى

وعارض العارضين الشيب قلت له

أهلاً بمن رجحت فيه موازينى

كففت غرب التصابى والتفت الى

حلمى ، ولم أك فى هذا بمغبون

وصرت لا أرتضى إلا العلا أبداً

ما قد لقيتُ من التبريح يكفينى



ذكريات


أقصرتُ مذ عاد الزمانُ فأقْصَرا وغفرتُ لما جاءني مُستغفِرا
ما كنتُ أرضى يا زمانُ لَوَ انني لم ألقَ منكَ الضاحكَ المستبشرا
يا مرحباً قد حقّق اللهُ المنى فعلَيَّ إذ بُلّغْتُها أن أشكرا
يا حبّذا وادٍ نزلتُ، وحبذا إبداعُ من ذرأ الوجودَ ومن برا
مِصْرٌ، وما مصرٌ سوى الشمسِ التي بهرتْ بثاقب نورِها كلَّ الورى
ولقد سعيتُ لها فكنتُ كأنما أسعى لطيبةَ(1) أو إلى أُمِّ القُرى(2)
وبقيتُ مأخوذاً وقيّدَ ناظري هذا الجمالُ تَلفُّتاً وتَحيُّرا

****

فارقتُها والشَّعرُ في لون الدجى واليومَ عدتُ به صباحاً مُسْفِرا
سبعون قَصّرتِ الخُطا فتركنَني أمشي الهُوينى ظالعاً مُتَعثِّرا
من بعد أنْ كنتُ الذي يطأ الثرى زهواً ويستهوي الحسانَ تَبختُرا
فلقيتُ من أهلي جحاجحَ أكرموا نُزُلي وأولوني الجميلَ مُكرَّرا
وصحابةً بَكَروا إليَّ وكلُّهم خَطَب العُلا بالمكرمات مُبَكِّرا
يا من وجدتُ بحيّهم ما أشتهي هل من شبابٍ لي يُباع فيُشترى؟
ولَوَ انّهم ملكوا لما بخلوا بهِ ولأرجعوني والزمانَ القهقرى
لأظلَّ أرفل في نعيمٍ فاتني زمنَ الشبابِ وفِتُّه مُتحسِّرا
ووقفتُ فيها يومَ ذاك بمعهدٍ كم من يدٍ عندي له لن تُكْفَرا
دارٌ درجتُ على ثراها يافعاً ولبستُ من بُرْد الشبابِ الأنضرا

****

يا دارُ أين بنوكِ إخواني الأُلى رفعوا لواءكِ دارعين وحُسَّرا ؟
زانوا الكتائبَ فاتحين وبعضُهم بالسيف ما قنعوا فزانوا المنبرا
سبحان من لو شاء أعطاني كما أعطاهمو وأحلّني هذي الذرى
لأُريهم وأُري الزمانَ اليومَ ما شأني فكلُّ الصَّيْدِ في جوف الفَرا
إني لأذكرهم فيُضنيني الأسى ومن الحبيب إليَّ أنْ أتذكّرا
لم أنسَ أيامي بهم وقَدِ انقضتْ وكأنّها واللهِ أحلامُ الكرى

****

كذب الذي ظنّ الظنونَ فزفّها للناس عن مصرٍ حديثاً يُفترى
والناسُ فيكِ اثنان شخصٌ قد رأى حُسْناً فهام به، وآخرُ لا يرى
والسرُّ عند اللهِ جلّ جلالهُ سَوّى به الأعمى وسَوّى الـمُبصِرا
يا من رعيتُ ودادَه وعددتُهُ درعاً - إذا جار الزمانُ - ومِغْفَرا
اسمعْ نصيحةَ صادقٍ ما غيّرتْ منه الخطوبُ هوىً ولن يتغيّرا
لم آتِ أجهلُ فضلَ رأيكَ والحِجى ل كنْ أتيتُكَ مُشفِقاً ومُذَكِّرا
والنصحُ من شيمِ الصديقِ فإن ونى عَدُّوه في شرع الودادِ مُقصِّرا
عمري كتابٌ والزمانُ كقارئٍ أبلى الصحائفَ منه إلا أَسْطُرا
فعلمتُ منه فوق ما أنا عالمٌ ورأيتُ من أحداثه ما لا يُرى

****

قل لي: فديتُكَ ما الذي ترجوه من تاجٍ وقد أُلْبِسْتَ تاجاً أزهرا
وورثتَ في ما قد ورثتَ شمائلاً كانت أرقَّ من النسيم إذا سرى
أما السماحُ فلا يساجلكَ امرؤٌ فيه ملكتَ جماعةً مُستأثِرا
فاربأْ بنفسكَ أن تكون مطيّةً للخادعين وللسياسة مَعْبرا
وحذارِ من رُسل القطيعةِ إنهم رهطٌ قد انتظموا ببابكَ عسكرا
ما ساقهم حبٌّ إليكَ وإنما حُشِروا وجِيء بهم لأمر دُبِّرا
ولأنْ تبيتَ على الطوى وتظلّهُ وتضمّ شملَ المسلمين وتُنْصَرا
خيرٌ، ففي التاريخ إن قلّبتَهُ عظةٌ لذي نظرٍ وَعى وتَدبّرا

****

انظرْ إلى الملك «الحُسين»(1) وإنه من عترةٍ هي خيرُ من وطىء الثرى
منحوه تاجاً ثم لم يرضَوْا به ذهباً فصاغوه لديه جوهرا
عجموه فاستعصى فلمّا استيأسوا نزعوه عن فَوْديه نَزْعاً مُنكَرا
ويحٌ لهذا الشرقِ نام بنوه عن طلبِ العلا وتأخّروا فتأَخّرا
ظنّوا السعادةَ وَهْيَ أسمى غايةٍ قَصْراً يُشاد وبزّةً أو مَظهرا
قادتهمُ الأطماعُ حتى أشْبهوا كبشَ الفِدا والجزلَ من نار القِرى
والجمرُ إن أخفى الرمادُ أُوارَهُ شقيتْ به كفُّ الصبيِّ وما درى
واللهُ أحمدُ حين أبرزَ للورى من غيبه ما كان سِرّاً مُضمَرا


****

الشاعر السوداني محمد عمر البنا

عندما الهبت الثورة المهدية المشاعر وبثت روح التفاؤل في نفوس الناس المهيأة اليها والتف الناس حولها وتوحدت الروح القومية وضعت اللبنة الاولي لنهاية الانقسام وفي الوقت نفسه برزت مجموعة من الشعراء الكبار الذين وضعوا دعائم الشعر السوداني وحفروا في وجدان الشعر وذاكرة التاريخ شكل ومضمون الشعر السوداني ومن الذين الهمتهم الثورة المهدية وهزت مشاعرهم واستنطقت شاعريتهم الشيخ الشاعر محمد عمر البنا 1264 - 1338 هـ / 1847 - 1919 م . وهو احد شعراء المهدية البارزين والادب السوداني ويعتبر نواة لتكوين جيل من المبدعين اثروا الساحة الفنية شعرا وطربا.
كان الشاعر من المقربين لقائد الثورة المهدية الامام محمد احمد المهدي في المرحلة التي سبقت الاستعمار وخليفته عبدالله التعايشي من بعده والذي علم الشاعر الشيخ ابناءه الفقه واللغة وكان وطنيا مناضلا ضد الاستعمار بالحث علي الجهاد وبزل النفس رخيصة في سبيل الوطن ودحرا للمستعمر البغيض وكان دوره بارزا في شعر الحماسة بقصيدته الرائعة التي يقول فيها :
الحرب صبر واللقاء ثبات .. والموت في شأن الإله حياة.
ولد الشاعر محمد عمر البنا بمدينة رفاعة حاضرة منطقة البطانة لأم رفاعية وأب جعلي من قبيلة الجعليين المعروفه ، أدخله والده الخلوة وحفظ القرآن ، ثم هاجر الي مصر بوابة العلم والمعرفه آنذاك والتحق بالازهر الشريف حيث نهل العلوم الفقهية واللغة علي يد مشاهير العلماء وكان لذلك الاثر الكبير في حياة الشاعر حيث عيّن في عهد الادارة البريطانية بعد عودته قاضيا بمنطقة رفاعة مسقط رأسه وكان قاضيا بارزا ماجعله مفتشا عاما للقضاء بالمحاكم الشرعية واعطي مثله مثل غيره مساحة بارض امدرمان وسميت باسمه وهي منطقة ( ودالبنا ) مثل ودنوباوي والملازمين وتجول في مدن السودان المختلفه حتي وفاته عام 1919 م وشيع في جنازة مهيبة ومن المعروف انها كانت أول جنازة يخرج فيها طلاب العلم والمدرسون وحملوه الي مثواه الأخير وقال فيه الشيخ البنا مرثية عظيمة يقول فيها :
وما دروا أبتي بأنك مصحف كيف يهيلوا عليك التراب
ورحل مخلفا ورائه الكثير من القصائد الخالدة لتواصل بقائها والقها المستمر بالموهبة التي امتزجت فيها الحماسة والشكوي بتباريح العشق واوصابه.

الشاعر السوداني ادريس جماع

يصعب الحديث احيانا عن نفس رفضت ان تسلم مفاتيحها حتي الي القلب الذي تجاوز نبضة حدود النفس والي روح تخلصت من شوائب الانانية وتعاركت مع الواقع من أجل مثالية تفانت فيها ووجدان سما به العشق الي اعلي درجات الاخلاص والرقة. انها روح هامت بصاحبها علي ربي الطبيعة الساكنة منها والمتحركة فجادت بشعر عذبا نديا ساحرا وكان الوطن حاضرا قويا في شلال عواطفها المنساب حبا ووفاء ولها صلة قوية به وتجلت انسانيتها في تشخيص لامتناهي لجوانب انسانية ، بانفعالات صادقة وتوظيفها في اعلي منازل الاخلاص. يعتبر من أكثر شعراء الوجدان العاطفي صدقا ومعاناة وانين يغمره جوا من اللطافة والحنين ، اتصل قلبه بالحب مرة فكان عشقة بابا أخر من ابواب التفاني والاحساس فلم يدخل به سوي عالم الحرمان والاكتئاب. كان صادقا مدثرا بالشجون ، موشحا بالحزن والصبابة والالم ، عاش وفيا ومضي تاركا سفيرا صادقا للكلمة والجمال (لحظات باقية) انه الشاعر المرهف ادريس جماع.


سيرة حياته


ولد الشاعر إدريس محمد جماع بحلفاية الملوك احدي ضواحي الخرطوم بحري1922م وكان والده المانجل محمد جماع هو شيخ قبيلة العبدلاب ووالدته هي بتول محمد الشيخ إدريس وهي شقيقة والدة الشاعر السوداني محمد محمد علي ، درس القرأن الكريم بخلوة محمد نور ابراهيم والاولية بمدرسة الحلفاية ودرس الوسطي بمدرسة امدرمان الأميرية الوسطي. التحق في عام 1939م بمعهد التربية ببخت الرضا وعين بعد تخرجه عام 1941م معلما بالمدارس الأولية وكان محبوبا عذب الحديث. وفي العام 1947م استقال من وزارة المعارف وهاجر الي مصر والتحق بمعهد المعلمين بالزيتون ثم كلية دارالعلوم_ بجامعة فؤاد الأول العام 1951م وحصل علي الليسانس في اللغة العربية والآداب قسم علم النفس. عاد الي السودان عام 1952م وعمل معلما بمعهد التربية بمدينة شندي شمال الخرطوم وبخت الرضا بمدينة الدويم بولاية النيل الابيض ثم انتقل الي الخرطوم ليعمل بمدرسة الخرطوم بحري الثانوية. له ديوان شعرمطبوع بعنوان((لحظات باقية)) فكان شعره مرآة نقية تعكس صفاء وجدانه ، فجاء رقيقا صادقا مليئا بالعاطفة والجمال عاني جماع ماعاني من الحرمان والحزن والمرض والاكتئاب حتي توفاه الله في 1980.


شعره


عرف عن ادريس جماع بانه مرهف الحس رقيق الوجدان سريع في نظم الشعر وبارع في صياغته وكان كثير التأمل في الطبيعة والجمال ، وله تجربة في الحب عاشها بكل جوارحه واحاسيسه لكنها كانت تجربة مريرة قاسية وصعبه فكانت كفيلة بتحطيم قلبه وانكساره ، جارحة كبريائه فاحس بالخيبة والانهزام مادفع به شيئا فشيئا_ لحساسيته المفرطة_ الي الشرود والاكتئاب وكان يهيم في وادي عبقر وهو الذي قال عن حبه:

في ربيع الحب كنا نتساقي ونغني
نتناجي ونناجي الطير من غصن لغصن
ثم ضاع الامس مني
وانطوي بالقلب حسره
***
اننا طيفان في حلم سماوي سرينا
واعتصرنا نشوة العمر ولكن ما ارتوينا
انه الحب فلا تسأل ولا تعتب علينا
كانت الجنة مأوانا فضاعت من يدينا
ثم ضاع الامس مني
وانطوي بالقلب حسرة
والتي تركها الفنان المحبوب سيد خليفه تشتعل من الطرب.


مختارات من شعره



انت السماء

اعلي الجمال تغار منا ماذا عليك اذا نظرنا
هي نظرة تنسي الوقار وتسعد الروح المغني
دنياي انت وفرحتي ومني الفؤاد اذا تمني
انت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنا
قيدت حسنك في الخدود وصنته لما تجني
وحجبته فحجبت سحرا ناطقا وحجبت كونا
وابيت الا ان اشيد للجمال الحر سجنا
هنته منك محاسن غني بها لما تغني
ولمحت في عينيك افاقا واسرارا ومعني
يا شعلة طافت خواطرنا حواليها وطعنا
حدث عهودك في الصبا واسال عهودك كيف كنا
كم باللقاء سمحت لنا كم بالطهارة كللتنا
اعلي الجمال تغار منا ماذا عليك اذا نظرنا



في ربيع الحب

فى ربيع الحب كنا نتساقى ونغنى
نتناجى ونناجى الطير من غصن لغصن
ثم ضاع الأمس منى
وانطوى بالقلب حسرة

اننا طيفان فى حلم سماوى سرينا
واعتصرنا نشوة العمر ولكن ما ارتوينا
انه الحب فلا تسأل ولا تعتب علينا
كانت الجنة مأوانا فضاعت من يدينا
ثم ضاع الامس منى
وانطوى بالقلب حسرة
أطلقت روحى من الأشجان ما كان سجينا
أنا ذوبت فؤادى لك لحنا وأنينا
فارحم العود اذا غنوا به لحنا حزينا
ثم ضاع الامس منى
وانطوى بالقلب حسرة
ليس لى غير إبتساماتك من زاد وخمر
بسمة منك تشع النور فى ظلمات دهرى
وتعيد الماء والأزهار فى صحراء عمرى
ثم ضاع الامس منى
وانطوى بالقلب حسرة



لقاء القاهرة

أألقاكِ في سحركِ الساحرِ
مُنًى طالما عِشْنَ في خاطري ؟
أحقّاً أراكِ فأروي الشعورَ
وأسبحَ في نشوةِ الساكرِ ؟
وتخضلَّ نفسي بمثل الندى
تَحدّرَ من فجركِ الناضر
تُخايلني صورٌ من سناكِ
فأمرحُ في خفّة الطائر
تُخايلني خطرةً خطرةً
فما هيَ بالحُلُم العابر
ويحملني زورقُ الذكرياتِ
إلى شاطئٍ بالرؤى عامر

****
غدًا نلتقي وغدًا أجتلي
مباهجَ من حُسنكِ الشاعري
وأُصغي فأسمع لحنَ الحياةِ
في الروض في فرحة الزائر
وفي ضجّة الحيِّ في زحمة الطْـ
ـطَريقِ وفي المركب العابر
وفي القمر المستضامِ الوحيدِ
تُخطّئه لمحةُ الناظر
تطالعني بين سحر الجديدِ
تهاويلُ من أمسكِ الغابر
وتبدو خلاصةُ هذا الوجودِ
من عهد «مينا» إلى الحاضر

****
سألقاكِ في بسمةٍ كالربيعِ
وما شاء من حُسنه الآسر
يُقسّم بهجتَه في النفوسِ
ويُطلق أجنحةَ الشاعر
وينفخ من روحه جذوةً
تَشعّعُ في مُجتلى الناظر
ويُسمعني نبضاتِ الحياةِ
في الطَلّ في الورق الثائر
صنعتُ البشاشةَ من روضكَ الْـ
بهيجِ ومن نفحه العاطر
وصُغتُ من الزهر من طيبهِ
سجايا من الخُلُق الطاهر
شبابٌ شمائلُه كالمدامِ
تَوقّدُ في القدح الدائر
وتكمن في روحه قُوّةٌ
كمونَ التوثُّبِ في الخادر

****
تمايلَ من طربٍ مركبي
وجاشت مُنى قلبِه الزاخر
وقد جدّ يطوي إليكِ السهولَ
ويعلو وينصبّ من حادر
يسير وطيفُكِ في خاطري
يُقصّر من ليله الساهر
وبي فيه من لفحات الحَنِينِ
كما فيه من لهبٍ مائر
يسايرني النيلُ إلا لماماً
فيفلت من بصرٍ حائر
ولكنْ مع النيلِ يجري شعوري
ويطفح في موجه الفائر
وتهزج روحي له ساجياً
وتعنو لتيّاره الهادر



رحلة النيل

النيل من نشوة الصهباء سلسله وساكنو النيل سمار وندمان
وخفقة الموج أشجان تجاوبها من القلوب التفاتات وأشجان
كل الحياة ربيع مشرق نضر في جانبيه وكل العمر ريعان
تمشي الاصائل في واديه حالمة يحفها موكب بالعطر ريان
وللخمائل شدو في جوانبه له صدي في رحاب النفس رنان
إذا العنادل حيا النيل صادحها والليل ساج فصمت الليل آذان
حتي إذا ابتسم الفجر النضير لها وباكرته أهازيج وألحان
تحدر النور من آفاقه طرباً واستقبلته الروابي وهو نشوان

**************
تدافع النيل من علياء ربوته يحدو ركاب الليالي وهو عجلان
ما مل طول السري يوما وقد دفنت علي المدارج أزمان وأزمان
ينساب من روضة عذراء ضاحكة في كل مغني بها للسحر إيوان
حيث الطبيعة في شرخ الصبا ولها من المفاتن أتراب وأقران
وشاحها الشفق الزاهي وملعبها سهل نضير وآكام وقيعان
ورب واد كساه النور ليس له غير الأوابد سمّار وجيران
ورب سهل من الماء استقر به من وافد الطير أسراب ووحدان
تري الكواكب في زرقاء صفحته ليلا إذا انطبقت للزهر اجفان

**************
وفي حمي جبل الرجاف مختلب للناظرين وللأهوال ميدان
اذا صحا الجبل المرهوب ريع له قلب الثري وبدت للذعر ألوان
فالوحش ما بين مذهول يصفده يأس وآخر يعدو وهو حيران
ماذا دها جبل الرجاف فاصطرعت في جوفه حرق وارتج صوان
هل ثار حين رأي قيداً يكبله علي الثري فتمشت فيه نيران

**************
والنيل مندفع كاللحن أرسله من المزامير إحساس وجدان
حتي إذا أبصر الخرطوم مونقة وخالجته اهتزازات وأشجان
وردد الموج في الشطين اغنية فيها اصطفاق وآهات وحرمان
وعربد الازرق الدفاق وامتزجا روحاً كما مزج الصهباء نشوان

**************
وظل يضرب في الصحراء منسرباً وحوله من سكون الرمل طوفان
سار علي البيد لم يأبه لوحشتها وقد ثوت تحت ستر الليل اكوان
والغيم مد علي الآفاق أجنحة ونام في الشط أحقاف وغدران
والليل في وحشة الصحراء صومعة مهيبة وتلال البيد رهبان
إذا الجنادل قامت دون مسربه أرغي وأزبد فيها وهو غضبان
ونشر الهول في الآفاق محتدماً جمّ الهياج كأن الماء بركان
وحوّل الصخر ذرّاً في مساربه فبات وهو علي الشطين كثبان
عزيمة النيل تفني الصخر فورتها فكيف ان مسه بالضيم انسان

***************
وانساب يحلم في واد يظلله نخل تهدل في الشطين فينان
بادي المهابة شماخ بمفرقه كأنما هو للعلياء عنوان




شعر غير مكتوب بديوانه

لك عين كلما أخفيت سراً حدثتني

إن تريدي كتم سرٍ فأغمضي عينيك عني

* * * *
إنما عينيك بلور يشع الصفو فيه

فعادة البلور ان يسفر عما يحتويه

ولكم خالص الود

الشاعر السوداني ود الرضي

يعتبر الشاعر ود الرضي نجما ساطعا في سماء الفن السوداني ليس علي مستوي الغناء فحسب كما عرفه البعض بل تمتد موهبته الشعرية الي ابعد من ذلك لتصل الي اشعار الحكمة والدوبيت وتاثيره العميق بشعر البادية التي كان ينتمي اليها تاريخيا قبل ان ينتمي الي مجموعة شعراء (الحقيبة) التي كانت ولاتزال نواة للفن الغنائي السوداني في رحلة بحثه الدؤب عن الجمال.
لقد ولد محمد الرضي محمد سليمان الشهير بودالرضي عام 1885م بمنطقة العيلفون الواقعة شرق النيل الازرق مسقط رأس والدته السيدة ام نعيم بت حمد حفيدة العالم الجليل الشيخ ادريس ابن الارباب وهكذا نشا ودالرضي في بيئة صوفية خالصه ، درس الخلوة وانتقل في صباه الباكر الي منطقة ام ضوابان التي تاسست منذ اكثر من مائة وسبعة وستين سنة علي يد الشيخ العبيد ودبدر العلم الصوفي المعروف ، فحفظ القرآن علي يد الخليفه حسب الرسول ودبدر وكان مولعا بالشعر والادب وقد نظم الشعر وهو في العاشرة من العمر حيث كان يكتب الشعر علي ظهر اللوح الذي كان يكتب فيه القرآن فكان سببا لتانيبه وزجره من قبل شيخ الخلوه ، فترك الكتابة علي ظهر اللوح واصبح يردده في جلساته مع اصدقائه في الامسيات. كان ود الرضي صوفيا مثقفا مزج في شعره بين هداوة الريف ودفء العاطفة وحكمة البادية وقوة وجزالة القرآن الكريم في معانيه واوصافه البديعه ، عالج ودالرضي في شعره الغزل والحكمه والدوبيت والمديح وحتي الرثاء والهجاء وفن المقالبه المشهور بين شعراء البادية.
وعندما كانت المناطق الريفية محدودة الموارد وكانت الهجرة ذات جاذبية قوية ومعطيات بنيوية وخاصة للشباب ، انطلق ود الرضي الي مدينة سنار العريقة في رحلة البحث عن موارد تكميلية لمواكبة تطور الحياة من حوله فكانت فترة قاسية علي قلبه المرهف لبعده عن المحبوبة والاهل فكتب قصيدة الرائعة التي يتدفق فيها الشوق والحنين الي محبوبته واهله (متي مزاري) ويقول فيها :

متي مزاري أوّفو نذاري واجفو هذا البلد المُصيف
ما أقول امتي المـــزار إلاتجري دموعي الغزار
زارني ناسم شاقني المزار لويزورني الطيف يبقي كيف

ونظم في طريق العودة الي الديار قصيدته الرائعه :

يلوحن لي حماماتن
همن عيني غماماتن
بريدن شوقي لي لماتن

ونظم في عودته قصيدته التي تعتبر من اروع قصائده علي الاطلاق:

احرموني ولاتحرموني
سنة الاسلام السلام
عطفكم يا من الموني
كلاشعة الاسهم رموني
الشجون بالليل نادموني
الانين والنوح علموني
لومنعن قول كلموني
انعكاس الاحوال كفوني
حبي طاهر لما تظلموني
برضي قابل الظلم احترام
التي غناها عصفور السودان الفنان ابراهيم عبد الجليل بصوته الطفولي الذي ينام علي انغام صوت العصافير ليجعلها عصفورة ترفرف في وجدان الغناء السوداني.

ونظم ود الرضي العديد من الاغنيات الخالده مثل اغنية ست البيت التي كتبها في زوجته السيدة بتول التي تزوج بها في العام 1930م وكتب فيها العديد من القصائد واغنية السلام ياروح البدن ، الناحر فؤادي وليالي الخير ومن رمياته الرائعة( طابق البوخه) ،( الله يكبرن الكبرني وسمحن).

ولم تتركه احاسيسه المرهفة وقلبه الجياش ان يكتفي بالكتابة عن المحبوبة والهيام فقط ، فكان الوطن حاضرا في شعره بكلماته التي غناها خلف الله حمد :
يوم الملاحم لينا عيد
ميتنا في الميدان شهيد
بشرانا بالعهد الجديد
نيلنا ازرق ونحنا سود
وصغيرنا يحتقر الاسود
والعديد من الاغنيات الوطنية الخالدة.
وكان حين يطرق الشعر مخيلته ليلا يدون ماجادت به قريحته علي الارض بجانب سريره الي ان يكتبه الصباح لحظة استيقاظه.

وفاته :

كان ود الرضي من المداومين علي الصلاة في المسجد ، الذي لم يبعد عن بيته كثيرا ، وفي ذات يوم تعرض ود الرضي لحادثة سقوط في المسجد اسفرت عن كسر في كتفه ماجعله طريح الفراش بعد علاجه ومكث بمنزله الكائن بمنطقة ام ضوابان الذي كان قبلة للشعراء ومزارا للاحباب والاهل حتي توفاه الله في عام 1982م وكانه يعيش معنا اليوم ، رحم الله شاعرنا الكبير محمد ود الرضي.

مختارات من شعره :

ست البيت
-------------
بريده براها ترتاح روحي كل ماأطراها
قالت جارتا مجاوراها تجي شايله وتجي مزاوراها
تلحظ احتياجنا براها نشكر سعيها بي وراها
***
ربنا بالجمال كافاها لامن قال قواما كفاها
المسروره مي تافاها ياحلاة الكلام في فاها
***
راقيه سكوته من ميلادا مو سكاتاً تنوبو بلاده
نضيفه ومنظمين أولادا برضها عندي حلوه جلاده
***
تتلاصف سرور وجناتا الرافيه الكتار حسناتا
طيبة عشره مي غلاتا ماسابت الشباب لي بناتا
***
مابتحسب علي كليا تكرم كل منسوب لي
اطوع من بناني الي واشفق من جنايا علي
***
ماقالت بقيت حبوبه وتركت بوختا المحبوبه
لوجات من رياحا هبوبه بتحيي عروقك المهبوبه
***
من صابحتها وماسيتا طاعمه وناعمه لومسيتا
ماقاستني ماقاسيتاوتشكر فضلي كل ماكسيتا
***
مي العزايه دايماً ساقده ومي الغبشه المفبره حاده
مي اللهفانه بي ورا الماده دي اللي شبابا ديمه موادا
***
فاضي البال حليللا جنابو ماإتغضبن لمس اشنابو
ولايوم سوء تفاهم نابو دي الامثالا نتغنابو
***
لو كان يوم حبيب واصلي الكرم العريض يوصلي
منها قط خلاف ماحصلي بس ازعاجا لي قوم صلي
***
ليه ماشكرا مطاوعاني وحافظه لمتعتي وحافظاني
حاويه من الانوثه معاني ومها ابقى مر بالعاني
***


احرموني ولاتحرموني

احرموني ولا تحرموني
سنة الاسلام السلام
عطفكم يا من الموني
كالاشعة الاسهم رموني
الشجون بالليل نادموني
الانين والنوح علموني
لو معنعن قول كلموني
حبي طاهر لم تظلموني
برضي قابل الظلم احترام

يا النفوني كفى اعرفوني
ساهي ساهر ساحات جفوني
في هواكم يا من جفوني
لا الوم ان لم تنصفوني
انعكاس الاحوال كفوني
ايضا الايام عرفوني
يوم سموما ويوما غمام

كلما النسمات عطروني
فاجأوني دموع مطروني
رب اغفر للعكروني
في وداعة الباري العروني
رب وقتاً يتذكروني
او يقول القايل دروني
او يحدث عني المنام

الدهاة بالسلو ما دهوني
عن تجاهكم ما وجهوني
بي تحكو وشمتو النهوني
وبرضي هايم وخاضع لهوني
لا اقول مستنكف دهوني
عن كثير عن قيس نبهوني
عن حقيقة الحب غين ولام

ما تنفس صبح او ضحى لي
الا غاب هدهد فكري ورحالي
قال قربك عين المحال
قلبي غير ذكراك ما صحى لي
يكفي ان السهد اكتحالي
يكفي شاهد لي انتحالي
شاكي شاكر شاخص دوام

طاف خيالك والليل كافر
شفت بدرو المتجلي سافر
صك غاضب لقى دمعي دافر
قاللي جملة وعقد الاظافر
قاللي طبع الريم اصلو نافر
قتلو عل تريم النوافر
وعل راء الريم تبقى لام

في التفكر اصبح وامسي
ايضا التزكار نجوى همسي
وحياتي اشبه برمسي
اشكو يومي واسترحم امسي
ما عهدتك يا ليل تمسي
طلت وامتى اشراق شمسي
وانت وين يا بدر التمام

قتلو ليت الايام يندن
تبقى لانت وسحابا دندن
بلماك النيران يخمدن
ليك روحي واجزيك حمدا
قال لي كيف تستوجب لي حمدا
من تعاطى المكروه عمدا
غير شك يتعاطى الحرام


متي مزاري

متى مزاري أوفى نذارى واجفوا هذا البلد المصيف

ما أقول امتى المــــــزار إلا تجرى دموعي الغزار

زارني ناسم شاقني المزار لو يزورني الطيف يبقى كيف

ياخصيب السوح امتى اطوفك وأستريح الروح من قطوفك

ياحبيبى إن شاء الله أشوفك في نعيمك وظلك وريف

أشهى.... والآمال يفرحوني مالي إلا سجعي ولحونى

صرت ابغض من ينصحوني هل تجامل وترسل لي طيف

امتداحك بقى لي قراية لي تملى القرطاس مراية

الوحايح فصمت عراى ها جزا من يعشق ظريف


شعرك اسود زى حظ حسدوك نور تضاحك بدرك فصودك

كم غضنفر.... فاتكابو سودك والمها تهواك يا خشيف

عفوك اسمح لأجلك ثناى لا امل من قبلك عناى

عندى مرك حلو يا مناى والذي يرضيك هو اللطيف

يا ما عاشق وما هو وافى ويا ما شاعر يقصد عوافى

مثلهم من يعشق ..قوافي ومثلنا من يعشق عفيف

يامحجب صاين... جمالك يا مهفهف بعضك امالك

دام زهاك ..ودايم... كمالك يا وحيد القدر المنيف

يا رشيقا حسنك..... نمالك قل لطيفك هاجرنى مالك

دمعي كف وكفى انهمالك إن بعد الصيف الخريف

يا لهيبي.... الزاد اشتعالا لي جمر الغضى انتعالا

يا نسيم المحبوب تعالا من لريحك ارحم ..بهيف

يا امانى .....من كل واقب ماله طيفك لي ما هو راغب

هل في طرق الأحلام مراقب أم يحاذر امرا مخيف

إن أقول الثنا يا جحاجح فهو منه واليه راجح

إن تزنبو ترى وزنه راجح خلى معنى و الروح خفيف

السلام ما ابتسمت زهورك ما تلألأ رف نور نهورك

ما جلت بسماتك شهورك يبقى لي متكأك قطيف


انا في التمني

أنــا فــي الـتـمني ديـمـه هـديلي سـاجع
مـا لـقيت لـي مـغيث ولا لـقيت لـي مـراجع

داير أشوف حبيبي اليوم داك شفته رايق ودمعه ناقع
أســود شـعـره حـالـك أمـا صـفاره فـاقع
تـتـلاصف خــدوده لا حـجـاب ولا بـراقـع
أشـوف لـعسو ونـواعسو جـل الـباري صانع
أشـوف فـي خـده شخصي وفي صدري المضارع

يـفـر خـيت بـسـمه بـرقـاً لـيـله هـاجـع
يـرفـع لــي رشـاشـه يـسبل نـظره واقـع
دايــر أشـوفو غـافل ودايـر أشـوفو جـاذع
يـتـغطى بــي سـواعده ومـحنو كـان واجـع
يــردد لــي نـغـيماً تـشتاق لـي الـمسامع

أعـاين فـيه وأضـحك وأجـري وأجـيه راجـع
مـتـلاعب لـيـس إلا مــا مـوضوع مـطامع
أقـيـس بـالليل شـعره ألـقى الـفرق شـاسع
دي مــا بـيـلقاها زول زي صـيـده نـاجـع



مابال طرفي

ما بال طرفي عنه النوم قد ابقا
واسترسل الدمع حتي اخجل الورقا
في يوم عرس ارانا كل فاتكة
باللحظ بالقد بالخصر الذي نطقا
ونغمة من رخيم الصوت كاد لها
عقولنا ان تربنا الطيش والترفا
قابلننا بعيون زانها حور
والسحر معني علي اطرافها نطقا
واصطف جمعهم المانوس وانفردت
منهن جوزة تحكي المكها الحدق
وخلفها سائق يحدو اذا خشيت
منه اللحاق تمد الردف والعنقا
ان رامت البعد عنه قام يجذبها
من الروادف حفف او كثيف نقا
بقامة مثل غصن البان يعطفها
فرع اثيث كزي الليل اذ غسقا
ووجهها القمر الوضاح مبسمه
قد زانه لعس السفلي وما نطقا
وشلخها في انتصاب لا اعوجاج له
كالف فارس بالخدين ملتصقا
والجيد لولا حلي فيه تكنفه
رايت فيه حباب الماء مندفقا
كانما هي بلور تعهده
وصائف الروم لم تنظر به رنقا
يزهو بها الوشي ادلالا برونقها
وان تجرد كان الحسن متفقا
تلك الفتاة التي هام الفؤاد بها
والطرف من عائدات الشوق قد ارقا
تهافتت نحوها ابصارنا عجبا
بخلقها فارتنا احسن الخلقا



رمية طابق البوخة

الجميل واصـل درة واصـل
الله لاوراك العلـي حـاصـل
العذاب أنواع جملة غير فاصـل
مجلي كبريته كبدي فـي بنزيـن
فــادمــه كـبـريـتـه
أصلو هالكني منـه مـا بريتـه
ياجراح غور إن شاء الله ما بريته
طابق البوخه قام نـدا يهتـف
نــام مــن الـدوخــه
إيده عاقبـاه جدلـه مملوخلـه
لي معالق الجوف موسة مجلوخـه


ولكم خالص الود ..