الاثنين، 26 أكتوبر، 2009

الشاعر السوداني ادريس جماع

يصعب الحديث احيانا عن نفس رفضت ان تسلم مفاتيحها حتي الي القلب الذي تجاوز نبضة حدود النفس والي روح تخلصت من شوائب الانانية وتعاركت مع الواقع من أجل مثالية تفانت فيها ووجدان سما به العشق الي اعلي درجات الاخلاص والرقة. انها روح هامت بصاحبها علي ربي الطبيعة الساكنة منها والمتحركة فجادت بشعر عذبا نديا ساحرا وكان الوطن حاضرا قويا في شلال عواطفها المنساب حبا ووفاء ولها صلة قوية به وتجلت انسانيتها في تشخيص لامتناهي لجوانب انسانية ، بانفعالات صادقة وتوظيفها في اعلي منازل الاخلاص. يعتبر من أكثر شعراء الوجدان العاطفي صدقا ومعاناة وانين يغمره جوا من اللطافة والحنين ، اتصل قلبه بالحب مرة فكان عشقة بابا أخر من ابواب التفاني والاحساس فلم يدخل به سوي عالم الحرمان والاكتئاب. كان صادقا مدثرا بالشجون ، موشحا بالحزن والصبابة والالم ، عاش وفيا ومضي تاركا سفيرا صادقا للكلمة والجمال (لحظات باقية) انه الشاعر المرهف ادريس جماع.


سيرة حياته


ولد الشاعر إدريس محمد جماع بحلفاية الملوك احدي ضواحي الخرطوم بحري1922م وكان والده المانجل محمد جماع هو شيخ قبيلة العبدلاب ووالدته هي بتول محمد الشيخ إدريس وهي شقيقة والدة الشاعر السوداني محمد محمد علي ، درس القرأن الكريم بخلوة محمد نور ابراهيم والاولية بمدرسة الحلفاية ودرس الوسطي بمدرسة امدرمان الأميرية الوسطي. التحق في عام 1939م بمعهد التربية ببخت الرضا وعين بعد تخرجه عام 1941م معلما بالمدارس الأولية وكان محبوبا عذب الحديث. وفي العام 1947م استقال من وزارة المعارف وهاجر الي مصر والتحق بمعهد المعلمين بالزيتون ثم كلية دارالعلوم_ بجامعة فؤاد الأول العام 1951م وحصل علي الليسانس في اللغة العربية والآداب قسم علم النفس. عاد الي السودان عام 1952م وعمل معلما بمعهد التربية بمدينة شندي شمال الخرطوم وبخت الرضا بمدينة الدويم بولاية النيل الابيض ثم انتقل الي الخرطوم ليعمل بمدرسة الخرطوم بحري الثانوية. له ديوان شعرمطبوع بعنوان((لحظات باقية)) فكان شعره مرآة نقية تعكس صفاء وجدانه ، فجاء رقيقا صادقا مليئا بالعاطفة والجمال عاني جماع ماعاني من الحرمان والحزن والمرض والاكتئاب حتي توفاه الله في 1980.


شعره


عرف عن ادريس جماع بانه مرهف الحس رقيق الوجدان سريع في نظم الشعر وبارع في صياغته وكان كثير التأمل في الطبيعة والجمال ، وله تجربة في الحب عاشها بكل جوارحه واحاسيسه لكنها كانت تجربة مريرة قاسية وصعبه فكانت كفيلة بتحطيم قلبه وانكساره ، جارحة كبريائه فاحس بالخيبة والانهزام مادفع به شيئا فشيئا_ لحساسيته المفرطة_ الي الشرود والاكتئاب وكان يهيم في وادي عبقر وهو الذي قال عن حبه:

في ربيع الحب كنا نتساقي ونغني
نتناجي ونناجي الطير من غصن لغصن
ثم ضاع الامس مني
وانطوي بالقلب حسره
***
اننا طيفان في حلم سماوي سرينا
واعتصرنا نشوة العمر ولكن ما ارتوينا
انه الحب فلا تسأل ولا تعتب علينا
كانت الجنة مأوانا فضاعت من يدينا
ثم ضاع الامس مني
وانطوي بالقلب حسرة
والتي تركها الفنان المحبوب سيد خليفه تشتعل من الطرب.


مختارات من شعره



انت السماء

اعلي الجمال تغار منا ماذا عليك اذا نظرنا
هي نظرة تنسي الوقار وتسعد الروح المغني
دنياي انت وفرحتي ومني الفؤاد اذا تمني
انت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنا
قيدت حسنك في الخدود وصنته لما تجني
وحجبته فحجبت سحرا ناطقا وحجبت كونا
وابيت الا ان اشيد للجمال الحر سجنا
هنته منك محاسن غني بها لما تغني
ولمحت في عينيك افاقا واسرارا ومعني
يا شعلة طافت خواطرنا حواليها وطعنا
حدث عهودك في الصبا واسال عهودك كيف كنا
كم باللقاء سمحت لنا كم بالطهارة كللتنا
اعلي الجمال تغار منا ماذا عليك اذا نظرنا



في ربيع الحب

فى ربيع الحب كنا نتساقى ونغنى
نتناجى ونناجى الطير من غصن لغصن
ثم ضاع الأمس منى
وانطوى بالقلب حسرة

اننا طيفان فى حلم سماوى سرينا
واعتصرنا نشوة العمر ولكن ما ارتوينا
انه الحب فلا تسأل ولا تعتب علينا
كانت الجنة مأوانا فضاعت من يدينا
ثم ضاع الامس منى
وانطوى بالقلب حسرة
أطلقت روحى من الأشجان ما كان سجينا
أنا ذوبت فؤادى لك لحنا وأنينا
فارحم العود اذا غنوا به لحنا حزينا
ثم ضاع الامس منى
وانطوى بالقلب حسرة
ليس لى غير إبتساماتك من زاد وخمر
بسمة منك تشع النور فى ظلمات دهرى
وتعيد الماء والأزهار فى صحراء عمرى
ثم ضاع الامس منى
وانطوى بالقلب حسرة



لقاء القاهرة

أألقاكِ في سحركِ الساحرِ
مُنًى طالما عِشْنَ في خاطري ؟
أحقّاً أراكِ فأروي الشعورَ
وأسبحَ في نشوةِ الساكرِ ؟
وتخضلَّ نفسي بمثل الندى
تَحدّرَ من فجركِ الناضر
تُخايلني صورٌ من سناكِ
فأمرحُ في خفّة الطائر
تُخايلني خطرةً خطرةً
فما هيَ بالحُلُم العابر
ويحملني زورقُ الذكرياتِ
إلى شاطئٍ بالرؤى عامر

****
غدًا نلتقي وغدًا أجتلي
مباهجَ من حُسنكِ الشاعري
وأُصغي فأسمع لحنَ الحياةِ
في الروض في فرحة الزائر
وفي ضجّة الحيِّ في زحمة الطْـ
ـطَريقِ وفي المركب العابر
وفي القمر المستضامِ الوحيدِ
تُخطّئه لمحةُ الناظر
تطالعني بين سحر الجديدِ
تهاويلُ من أمسكِ الغابر
وتبدو خلاصةُ هذا الوجودِ
من عهد «مينا» إلى الحاضر

****
سألقاكِ في بسمةٍ كالربيعِ
وما شاء من حُسنه الآسر
يُقسّم بهجتَه في النفوسِ
ويُطلق أجنحةَ الشاعر
وينفخ من روحه جذوةً
تَشعّعُ في مُجتلى الناظر
ويُسمعني نبضاتِ الحياةِ
في الطَلّ في الورق الثائر
صنعتُ البشاشةَ من روضكَ الْـ
بهيجِ ومن نفحه العاطر
وصُغتُ من الزهر من طيبهِ
سجايا من الخُلُق الطاهر
شبابٌ شمائلُه كالمدامِ
تَوقّدُ في القدح الدائر
وتكمن في روحه قُوّةٌ
كمونَ التوثُّبِ في الخادر

****
تمايلَ من طربٍ مركبي
وجاشت مُنى قلبِه الزاخر
وقد جدّ يطوي إليكِ السهولَ
ويعلو وينصبّ من حادر
يسير وطيفُكِ في خاطري
يُقصّر من ليله الساهر
وبي فيه من لفحات الحَنِينِ
كما فيه من لهبٍ مائر
يسايرني النيلُ إلا لماماً
فيفلت من بصرٍ حائر
ولكنْ مع النيلِ يجري شعوري
ويطفح في موجه الفائر
وتهزج روحي له ساجياً
وتعنو لتيّاره الهادر



رحلة النيل

النيل من نشوة الصهباء سلسله وساكنو النيل سمار وندمان
وخفقة الموج أشجان تجاوبها من القلوب التفاتات وأشجان
كل الحياة ربيع مشرق نضر في جانبيه وكل العمر ريعان
تمشي الاصائل في واديه حالمة يحفها موكب بالعطر ريان
وللخمائل شدو في جوانبه له صدي في رحاب النفس رنان
إذا العنادل حيا النيل صادحها والليل ساج فصمت الليل آذان
حتي إذا ابتسم الفجر النضير لها وباكرته أهازيج وألحان
تحدر النور من آفاقه طرباً واستقبلته الروابي وهو نشوان

**************
تدافع النيل من علياء ربوته يحدو ركاب الليالي وهو عجلان
ما مل طول السري يوما وقد دفنت علي المدارج أزمان وأزمان
ينساب من روضة عذراء ضاحكة في كل مغني بها للسحر إيوان
حيث الطبيعة في شرخ الصبا ولها من المفاتن أتراب وأقران
وشاحها الشفق الزاهي وملعبها سهل نضير وآكام وقيعان
ورب واد كساه النور ليس له غير الأوابد سمّار وجيران
ورب سهل من الماء استقر به من وافد الطير أسراب ووحدان
تري الكواكب في زرقاء صفحته ليلا إذا انطبقت للزهر اجفان

**************
وفي حمي جبل الرجاف مختلب للناظرين وللأهوال ميدان
اذا صحا الجبل المرهوب ريع له قلب الثري وبدت للذعر ألوان
فالوحش ما بين مذهول يصفده يأس وآخر يعدو وهو حيران
ماذا دها جبل الرجاف فاصطرعت في جوفه حرق وارتج صوان
هل ثار حين رأي قيداً يكبله علي الثري فتمشت فيه نيران

**************
والنيل مندفع كاللحن أرسله من المزامير إحساس وجدان
حتي إذا أبصر الخرطوم مونقة وخالجته اهتزازات وأشجان
وردد الموج في الشطين اغنية فيها اصطفاق وآهات وحرمان
وعربد الازرق الدفاق وامتزجا روحاً كما مزج الصهباء نشوان

**************
وظل يضرب في الصحراء منسرباً وحوله من سكون الرمل طوفان
سار علي البيد لم يأبه لوحشتها وقد ثوت تحت ستر الليل اكوان
والغيم مد علي الآفاق أجنحة ونام في الشط أحقاف وغدران
والليل في وحشة الصحراء صومعة مهيبة وتلال البيد رهبان
إذا الجنادل قامت دون مسربه أرغي وأزبد فيها وهو غضبان
ونشر الهول في الآفاق محتدماً جمّ الهياج كأن الماء بركان
وحوّل الصخر ذرّاً في مساربه فبات وهو علي الشطين كثبان
عزيمة النيل تفني الصخر فورتها فكيف ان مسه بالضيم انسان

***************
وانساب يحلم في واد يظلله نخل تهدل في الشطين فينان
بادي المهابة شماخ بمفرقه كأنما هو للعلياء عنوان




شعر غير مكتوب بديوانه

لك عين كلما أخفيت سراً حدثتني

إن تريدي كتم سرٍ فأغمضي عينيك عني

* * * *
إنما عينيك بلور يشع الصفو فيه

فعادة البلور ان يسفر عما يحتويه

ولكم خالص الود

ليست هناك تعليقات: